الجصاص

76

أحكام القرآن

" أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ثم خطب ثم أتى النساء فأمرهن أن يتصدقن " ، ولم يفرق في شئ منه بين البكر والثيب ، ولأن هذا حجر ولا يصح الحجر على من هذه صفته ، والله أعلم . باب دفع المال إلى السفهاء قال الله تعالى : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) قال أبو بكر : قد اختلف أهل العلم في تأويل هذه الآية ، فقال ابن عباس : " لا يقسم الرجل ماله على أولاده فيصير عيالا عليهم بعد إذ هم عيال له ، والمرأة من أسفه السفهاء " ، فتأول ابن عباس الآية على ظاهرها ومقتضى حقيقتها ، لأن قوله تعالى : ( أموالكم ) يقتضي خطاب كل واحد منهم بالنهي عن دفع ماله إلى السفهاء لما في ذلك من تضييعه ، لعجز هؤلاء عن القيام بحفظه وتثميره ، وهو يعني به الصبيان والنساء الذين لا يكملون لحفظ المال . ويدل ذلك أيضا على أنه لا ينبغي له أن يوكل في حياته بمال ويجعله في يد من هذه صفته ، وأن لا يوصي به إلى أمثالهم . ويدل أيضا على أن ورثته إذا كانوا صغارا أنه لا ينبغي أن يوصي بماله إلا إلى أمين مضطلع بحفظه عليهم . وفيه الدلالة على النهي عن تضييع المال ووجوب حفظه وتدبيره والقيام به ، لقوله تعالى : ( التي جعل الله لكم قياما ) ، فأخبر أنه جعل قوام أجسادنا بالمال ، فمن رزقه الله منه شيئا فعليه اخراج حق الله تعالى منه ثم حفظ ما بقي وتجنب تضييعه ، وفي ذلك ترغيب من الله تعالى لعباده في إصلاح المعاش وحسن التدبير . وقد ذكر الله تعالى ذلك في مواضع من كتابه العزيز ، منه قوله تعالى : ( ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين [ الاسراء : 26 و 27 ] ، وقوله تعالى : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ) [ الاسراء : 29 ] ، وقوله تعالى : ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا [ الفرقان : 67 ] ، وما أمر الله تعالى به من حفظ الأموال وتحصين الديون بالشهادات والكتاب والرهن على ما بينا فيما سلف . وقد قيل في قوله تعالى : ( التي جعل الله لكم قياما ) يعني أنه جعلكم قواما عليها فلا تجعلوها في يد من يضيعها . والوجه الثاني من التأويل : ما روى عن سعيد بن جبير أنه أراد : لا تؤتوا السفهاء أموالهم ، وإنما أضافها إليهم كما قال الله تعالى : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) [ النساء : 29 ] يعني : لا يقتل بعضكم بعضا ، وقوله تعالى : ( فاقتلوا أنفسكم ) [ البقرة : 54 ] ، وقوله تعالى : ( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ) [ النور : 61 ] يريد : من يكون فيها . وعلى هذا التأويل يكون السفهاء محجورا عليهم فيكونون ممنوعين من أموالهم إلى أن يزول السفه .